كتبه: د. محمد عبد الباسط عيد
الشيخ (علي) أحد قرّاء القرآن المشاهير في منطقتنا، يخطو الآن نحو عامه السبعين، يحكى كيف توسّمت أمه في صوته جمالا، فدفعت به إلى كتاب القرية، وطلبت من الشيخ أن يعلمه القرآن ليكون مثل القراء الذين تسمعهم في الإذاعة..
سنوات قليلة، وبعدها أنهى الطفل حفظ القرآن، وبدأ يدندن بالآيات الكريمة، يقلد مصطفى إسماعيل تارة، والمنشاوي تارة.. وشيئًا فشيئا عرف الطريق إلى سرادقات العزاء وعرفت سرادقات العزاء الشيخ (علي) صاحب الوجه الصبوح والصوت النديّ.. فذاع صيته، وتأكد رسوخه، ونال احترامه.
الأم – ذكاء الفطرة
حاولت الأم أن تفعل الأمر نفسه مع ابنها الثاني الذي بدأ في الدندنة، ولكن صوته لم يعجبها، كما أنها وجدت فيه حبًّا للعب ونفورًا من شيخ الكُتّاب، فأرسلته إلى شيخ النجارين، وأوصته أن يشتد عليه، ويسقيه فنون الصنعة كما يجب أن تكون، استجاب الفتى، ومع الوقت تعلّم الصنعة، وصار خبيرًا بأفانينها، واكتشفت الأم الطيبة واكتشف معها الشيخ علي أن بذرة الفن موجودة أيضًا في أخيه الصغير، وكل ما هنالك أنها تجلت في يديه وليس في صوته، وكل هذه الابتكارات الخشبية من أبواب ودواليب تنويعات فنية لهذه الموهبة.
لقد استطاعت هذه الأم- ببراءة وذكاء – أن تستثمر مواهب طفليها، أو بلغتنا المعاصرة (تدير مواهبهما) وفق ما هو متاح لها، هي لا تعرف معهد الموسيقا ولا غيره، ولكنها فكرت ودبرت وقدمت للمجتمع قارئا معتبرا، جال وصال، وسافر البلاد العربية، أطرب الناس، وعاد بحنجرته المصقولة، يحيى ليالي رمضان وسرادقات العزاء، ويحظى بالمحبة والاحترام، وقدمت أيضًا شيخًا من شيوخ صنعة النجارة والفن…. !!
لقد تصرفت الأم البسيطة، بحرية ومحبة مع طفليها، ولك أن تسأل: هل نحن – بعد كل هذا الوعي – نتصرف بالطريقة المثلى مع أبنائنا؟
نحن نجبرهم على الانخراط في نسق التعليم الرسمي حتى لو لم يكن يرضيهم، ولا يلبي مواهبهم.. نجبرهم على تعليم ندرك – يقينًا – أنه لا يؤهلهم لأي شيء، فالسوق ليس في حاجة إلى هذه الشهادات التي حصلوا عليها، ملايين الشباب، يحملون الشهادات، ولكن دون مهارات حقيقية، ومؤسسات تعليمية تصبّ الناس في قوالب جامدة، وتعرّف النجاح بعين واحدة، رغم أن الدنيا واسعة، ومفهوم النجاح فيها لا حد لتنوعه..!!
ورغم ذلك، فنحن نكلف أنفسنا مالا تطيق، ونكلف أبناءنا ما لا يطيقون، وكأننا نعلمهم كي نقول لهم وللمجتمع: لقد نالوا شهادات كيت وكيت…فقط لنقول ذلك، ونرضي أنفسنا…!!
هل كان الأقدمون أكثر حرية منا..؟!!
