كتبه: أد. أبو اليزيد الشرقاوي
يقول ربنا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).
كان ذلك عام مولد النبي- صلى الله عليه وسلم- والمعروف بعام الفيل، ويتراوح عمر النبي بين شهر و(12) شهرًا، فكيف يخاطب رب العزة هذا الطفل بعد (40) سنة بالسؤال: ألم تر ..؟ والأصل في السؤال أنه طلب معلومة وتكون إجابته: نعم أو لا، وهذه الإجابة غير مرادة ولا مطلوبة.
يقدم النحو الوظيفي تبريرا دلاليا لمثل ذلك، يتمثل في القوة الإنجازية ( illocutionary force) للملفوظ، وما ينتج عنها من استلزام سياقي.
وهي قوة متولدة عن المَقام، وليست في الكلام الملفوظ، بمعنى أن ما يفهمه السامع ليس حاصل جمع معاني ألفاظه المنطوقة أو المكتوبة، فالمعنى هنا شيء يجلبه السامع من خارج الحيز اللفظي المكتوب، إنه توليد دلالة يساهم بها المتلقي في ضوء ما تقدمه القوة الإنجازية الأصلية (الحرفية) للكلام.
هنا لا تكون الإجابة عن هذا السؤال: (ألم تر كيف فعل ربك؟) بنعم أو لا، مطلوبةً، ولا هي مرادة؛ لأن الجميع يعلم أن الإجابة: لا، فالنبي –صلى الله عليه وسم- وقتها كان وليدًا ولا يُعقل أن يختزن طفل عمره أيام هذا المشهد ليجيب عنه بعد أربعين سنة، هنا نكون بحاجة إلى استنطاق الآيات بمعنى يناسب السياق، فنقول إن معنى الآيات ينصرف إلى قدرة الإله سبحانه، وأن الله قادر على نصرة نبيه، وأن هذه الآيات تطمين لقلب النبي ووعد له بالنصر، فكما عاقب الله أبرهة وأفياله سيعاقب كفار قريش، وهذه المعاني كلها معان غير موجودة في الملفوظ، والقارئ يبنيها، لكن في ضوء معايير تلقي النص القرآني وآدابه وأحكامه.
يغلب على آيات القرآن أنها مبنية على هذه البلاغة، ومن ثم يظل القرآن موحيًا وقادرًا على البوح بمعانيه لكل قارئ؛ لأن القارئ يساهم في بناء الجزء الأكبر من تأويله.
