كتبه: د. مجدي أبو الخير
كم وددتُ لو أفردتُ له من كتاباتي مثلما أُفرِدُ لغيره … فيما تلتقطه القريحةُ من أفكارٍ لا يُشبه بعضُها بعضًا … ولا كتلك التي تلوكها عامة الألسن وتمتهنها الأقلام وتتبادلها السطور … فلم أكن يومًا حاطبَ ليلٍ … ولست ممَن يَلزمه أن يَرِدَ ما يَرِدُه الآخرون عندما يُهرعُ جمعُهم نحو موردٍ بعينه عنّ لهم بعدما أقفرت قرائحهم وأجدبت يُدلون فيها دلاءهم فيُصدرونها جميعها ملأى بمستنسخاتٍ مشوّهةٍ … ولا عجب في ذلك فمَوردهم واحدٌ وماؤهم !!!
لكنه سكار فيس العظيم … والذي لم يطاوعني عقلي ولا قلبي ألا ينال حرفي شرفَ رثائه وتقديم واجب العزاء فيه … سكار فيس ليس أسدًا نافقًا وإنما ملكٌ عزّ في مُلكه فمَن نازعه إياه هلك … ولا يَقرب حِماه أحدٌ دون إيماءةٍ منه … إذ بلغ حِماه أضعاف ما بلغ زئيرُه عزّةً ومهابةً … إذا بلغ ملكُه أربعمائة كيلو متر مربع من غابات ماساي مارا الكينية !!!
وما أشبه الليلةَ بالبارحة ولعله من طريف خاطري وهاتفي … فكأني بكُليْب بن ربيعة بن وائل التغلبي أول مَن ملك قومه من بني عدنان … والذي بلغ من عزّه وسؤدده أنه إذا نزل منزلا به كلأ أطلق كلبه فيعوي فيه فلا يقرب حِماه أحد … حتى قالت العرب في ذلك : ( أعز من كليب وائل ) !!!
سكار ملكٌ أتاه الله الملك دون أن ينزعه منه مدة حياته فعاش ملكًا عزيزًا أقرّت له الدنيا بذلك ودان له شعبُه كذلك في ظل تسعمائة من أقرانه دانو ا له بالولاء والخضوع … ومات على ما عاش عليه ملكًا عزيزًا … فبكتْه نفوسٌ ظمأى لمنعته وعزّته وأنفتِه وكبريائه … وحسدته مَن تلاشت في ظلّ هيبته وعزّته هيبتُهم وألقابُهم !!!
سكار ملكٌ تناقلت الدنيا نبأ وفاته بصدمةٍ لا حدّ لها رسميًّا وشعبيًّا … وربما فاقت صدمتنا نحن … لاسيما ممن لا يمرّون على مثل تلك الأمور مرور الكرام … بعدما تعرّفنا إلى شيءٍ يسيرٍ من سيرته وشجاعته وفروسيته وأنفته والتي طار ذكرها في الآفاق … فتملكنا عندئذ شعورٌ بالصمت المشوب حزنًا وذهولًا أمام هذا الملكِ الجليلِ المهيبِ ركنًا وجانبًا !!!
فليست كل الأسود كسكار … فهناك مَن طاردته بالأمس بهائم فارتقى أعلى شجرة هاربًا منها طالبًا النجاة فأضحى عارًا على بني جنسه … وهناك مَن دانت له بالولاء والطاعة أسودٌ وسِباعٌ كسكار !!!
ملوكٌ عزّوا في ملكهم فخلّدهم التاريخ … حتى صار عزّهم مضرب أمثالٍ تتناقلها الأجيالُ عبر الزمان … فما أعزّ من كليب وائل وسكار !!!
فنَمْ قريرَ العين يا كلّ سكار … واخْلُفْنا اللهم خيرًا منه !!!

