مراوح الجامع

كتبه: د. محمد عبد الباسط عيد

كنتُ طفلًا صغيرًا حين وضع أبي يدي الغضة في يده الشابة العفية وأخذنا القطار إلى القاهرة، وطوفنا على محلات بيع الأجهزة الكهربائية، لنشتري أربع مراوح تعلق في سقف الجامع، وكانت المراوح في جوامع الريف وقتها – أوائل الثمانينيات – نقلة في رفاهة المصلين..!
اشترى أبي من القاهرة المحروسة أرخص أربع مراوح في بر مصر، فالنقود التي معه تكفي لشراء ثلاث مراوح معتبرة، ولكنه رأى أن الجامع كبير المساحة، ويجب أن يتوزع الهواء في مساحته كلها، فآثر شراء مراوح أقل جودة، وكانت تقريباً دون ماركة، لا تعرف لها أصل من فصل، أنتجتها شركة مجهولة.

كانت مهمتي التي أسندها إلىّ بحسم أن أطفئ المراوح بعد أن ينتهي المصلون من صلواتهم، وكثيرًا ما كان يحدث ذلك بعد صلاة العشاء؛ فالمراوح تعمل طوال النهار، يقضي تحتها الفلاحون القيلولة وبعضهم يؤثر البقاء وقت العصاري.. والمراوح تدور بأقصى سرعة، تعمل بمفتاح واحد وسرعة واحدة، هي السرعة القصوى..!!

انتقل أبي إلى جوار ربه في عام ٢٠٠٠م بعد ان اشتغلت المراوح عشرين سنة كاملة، دون كلل أو ملل، ولم تمتد إليها يد فنيّ بإصلاح من أي نوع يذكر، ثم أعيد تجديد الجامع قبل سنوات قليلة وآثر المجددون ملاحقة التطورات، فأمدوا الجامع بالتكييفات التي تبرد الهواء والجدارن، وتصورت أنهم قد يستغنون عن المراوح القديمة التي تحتلّ جزءًا من ذاكرتي، ولكنهم أصروا على إعادتها مرة أخرى إلى السقف العالي، ودارت المراوح من جديد وشاركت المكيفات الترفيه عن المصلين..!!
مراوح مجهولة المصدر، تعمل منذ أربعين عامًا..!! وأنت تشتري اليوم ماركة عالمية لأي منتج فيقول لك البائع مبتسمًا: الضمان ثلاث سنوات، فتظن أنه يمنّ عليك..!!

حكاية هذه المراوح هي حكاية الانتقال العالمي من الإشتراكية إلى الرأسمالية المتوحشة، رأسمالية الاستهلاك والاستبدال والتغيير والموضة، والإنسان الذي يستمد قيمته الاجتماعية من الأشياء الحديثة التي يقتنيها… هذه ليست نقلة في الإنتاج بقدر ما هي نقلة في القيم التي تصيب كل العلاقات الاجتماعية، والمجتمعات التي تتحول من قيم السلع المعمرة إلى قيم الموضة والماركات هي مجتمعات حائرة، تتساءل والعالم القديم يموج تحت أقدامها: ما الذي يحدث ؟ أو بتعبيرنا المصري: الدنيا جرا ليها أيه؟
ولا حاجة..!!
احنا بنتحول بس..!!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top