لبنان…الناس كفرت.

بقلم د. نبيل بو غنطوس
خبير سياسي واقتصادي في الشؤون اللبنانية.

المسافة بين بعبدا و”بيت الوسط” كيلومترات عدة، يحتاج موكب رسمي لعبورها عدة دقائق، اما المسافة بين ساكن قصر بعبدا وساكن بيت الوسط هي عدة سنوات ضوئية، فكل منهما يحيا في عالم خاص به، ويعتقد ان الشمس لم ولن تشرق يوما الا مستمدة نورها من وهج انجازاته، واللبنانيون قابعون في العتمة، عتمة القلوب والعقول.
لبنان يدفع ثمن تشبث شخصين على مواقفهما، وهذان الشخصان يمثلان تيارين على طرفي نقيض، الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل ومن خلفهما التيار الوطني الحر وهو في اضعف حالاته اليوم، وجل طموحاته ان يحقق ولو انجازا معنويا ليستعيد بعضا من زخم شعبي يفتقد له، والرئيس المكلف سعد الحريري ومن خلفه تيار المستقبل وهو التيار الاقوى على الساحة السنية في لبنان، ولا يخضع لموازين اية ثنائية على غرار الطوائف اللبنانية الاخرى.
لدى المسيحيين تياران بارزان يتقاسمان الشعبية، القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ولدى الشيعة ثنائية تتمثل بحركة امل وحزب الله، ولدى الدروز الحزب التقدمي الاشتراكي تقابله مجموعات درزية صغيرة في الجرد والساحل. وحده الرئيس الحريري، يرى شخصيات سنية تنتظر افول نجمه، او سقوطه بضربة قاضية، لتنصب نفسها حامية للسنة في لبنان، في جوقة انضم اليها مؤخرا شقيقه بهاء، القادم الى عالم السياسة من عالم الاعمال، وفي رصيده المالي، مغريات كثيرة، يسخرها في خدمة طموحاته السياسية في اتتظار فرصته المؤاتية.
يلفت النظر، ان لا الرئيس عون ولا الرئيس الحريري، ادرك انه بعد حراك 17 تشرين الاول 2019، لم يعد لهما لدى غالبية الشعب اللبناني المنتفض، اية مصداقية. فالانتفاضة انما اتت، لتضع حدا لسقوط الشعب اللبناني، بين براثن طغمة حاكمة، عمادها الاول الفساد والمحاصصة، يغطيهما مجلس نواب يلعب دور جمعية عمومية، تصدق دوما على بيانات مجلس ادارة شبه دولة-وطن، يمثله مجلس وزراء هو نسخة عن مشغليه من رؤساء الاحزاب والميليشيات السياسية وامراء الطوائف والحرب السابقين، الذين يرتدون اليوم بذات، بعضها لها ربطات عنق وبعضها لا، بعدما خلعوا عنهم بذات القتال المرقطة، وانتقلوا بمعاركهم السابقة من على خطوط التماس بين البيروتين، الى معارك على طاولة مجلس الوزراء، واستطاعوا ان يثبتوا سيطرتهم في ايام السلم على قطاعات بامها، على غرار ما كانوه في ايام الحرب.
لم يدرك المتحكمون بالسلطة في لبنان ان الناس، كفرت بمدعي المحافظة على حقوق المسيحين وبمحاولة استعادتها، كما كفرت بمن يدعون محاربتهم من يحاولون تكفير اهل السنة، كما كفرت بمن يدعون انهم في صميم محور ممانعة ومقاومة من بيروت الى اليمن. كفرت الناس من سلطة تنفذ اجندات خارجية، وتفتخر بانتمائها الى هذا المحور او ذاك، وفي نفس الوقت هي عاجزة عن تأمين ابسط حاجيات المواطن ولو بالعيش على “قد الحال”.
كفرت الناس من منظومة حاكمة، كاملة متكاملة، لم يعرف لها التاريخ مثالا في اية دولة في العالم، ولأن الجوع بدأ يطرق ابواب الغالبية العظمى من الشعب اللبناني، في الافق حركة ستعيد رسم المشهد اللبناني من جديد، وفق طموحات غالبية عظمى من شعب، يظن حكامه، انه نائم، او انه مغلوب على امره، او ان قسما منه راض عما يجري حفاظا على مصلحة له هنا او هناك.
مسار التاريخ علمنا، ان الشعوب لا بد لها يوما ان تثور على جلاديها، والشعب اللبناني يجلد يوميا، ورب سائل كيف ذلك. وبكل بساطة نجيب، الاستعصاء السياسي يعمق الأزمة الاقتصادية، والعملة الوطنية تنكسر يوميا أمام الدولار. الاميركي، والإضطرابات في الشوارع هي انعكاس ومؤشر لفوضى وفلتان امني سيليان بلا شك، وسيقضيان على الاخضر واليابس، وفي الاساس، لم يعد لبنان ذاك الاخضر في اغنيات فيروز ووديع الصافي، ومن دون ان يبرز اي استعداد من قبل اركان السلطة لتقديم تنازل لمصلحة البلاد والعباد فيها. فريق ينتظر المفاوضات الايرانية الاميركية ليبني على الشء مقتضاه، وطرف يجول شرقا وغربا في انتظار رضى سعودي، وفريق يريد تفخيخ تشكيلة الحكومة بثلث معطل لحسابه ووو…فاتهم جميعا، انه في لعبة الكبار، هم بيادق في لعبة شطرنج، ينقلهم اللاعبون من خانة الى خانة، وفات الجميع، ان شعبا سينتفض لكرامته، وسيقلب الطاولة وسيسمعهم جميعا كما العالم، عبارة واحدة: “كش ملك”.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top