مصر وتركيا وتحول العلاقات

كتب : سامح سنجر

على مدار الأيام القليلة الماضية، أصدر مسئولون كبار في الإدارة التركية تصريحات إيجابية تشير الى إمكانية عودة العلاقات التركية- المصرية إلى طبيعتها، وشملت التصريحات التركية كلاً من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، والمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ووزير الخارجية جاويش أوغلو، ومستشار رئيس حزب العدالة والتنمية ياسين أقطاي.
وفى مقابل تلك التصريحات، التزمت مصر الصمت على المستوى الرسمى، ولم يصدر سوى تصريح من قبل وزير الخارجية المصرى سامح شكرى الذى أكد على أن الأقوال وحدها لا تكفي ولابد أن تكون مقرونة بأفعال. ويبدو أن الأفعال المقصودة فى كلام شكرى تتمثل فى الاشتراطات التى وضعتها مصر وفقًا لتقارير إعلامية، لعودة العلاقة مع تركيا، من قبيل سحب القوات التركية من ليبيا، وإغلاق قنوات المعارضة المصرية التي تبث من تركيا، وتسليم المطلوبين من قيادات جماعة الإخوان، والتوقف عن انتهاك السيادة الإقليمية لكل من ليبيا والعراق وسوريا، والتوقف عن انتهاك السيادة البحرية لكل من قبرص واليونان. وبتحليل هذه التصريحات وتلك المواقف، يمكن الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات التى قد تسهم فى فهم موقف كل دولة من التقارب مع الآخرى.
فبالنسبة لتركيا: تبدو هى الطرف الأكثر تحمسًا لعودة العلاقات مع مصر، وهو ما ظهر فى التصريحات الإيجابية من قبل المسئوليين الأتراك تجاه القاهرة، لكن هذه التصريحات ركزت فقط على قضية شرق المتوسط، حيث تدعى تركيا أن مصر راعت الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية لتركيا فى شرق المتوسط عند توقيعها على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وعند طرحها لمناقصة عالمية للتنقيب عن الغاز فى شرق المتوسط فى مناطق مصر الاقتصادية.
ومن هنا، يمكن إبداء مجموعة من الملاحظات حول الموقف التركى تتمثل فى:
أن تركيا تسعى إلى بناء علاقاتها مع مصر من منطلق المصالح المشتركة حيث تروج أنقرة إلى أن ترسيم الحدود بينهما سيضيف مساحات أكبر من التى تتيحها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان. كما أنها تروج إلى أن الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا تصب فى صالح القاهرة أيضًا بإضافة مساحة أكبر لحدود مصر البحرية الاقتصادية بخلاف التصور اليونانى القبرصى الذى ينتزع تلك المنطقة لصالح اليونان.
أن تركيا ترغب فى إعطاء الأولوية للعلاقات الاقتصادية والاستخباراتية، فحديث المسئولين الأتراك يؤكد على أن المحادثات تقتصر على المستوى الاستخباراتى دون عقد أى لقاءت دبلوماسية أو سياسية؛ لأن اللقاءات على المستوى السياسى يعنى اعتراف تركيا بالنظام المصرى وهو ما ترفضه أنقرة.
كما أن ذلك يظهر فى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين فى ظل تدهور العلاقات السياسية والدبلوماسية لم تتاثر بالسلب ولكنها ارتفعت. ومن هنا أيضًا، يمكن تفهم رغبة تركيا فى ترسيم الحدود البحرية مع مصر للقيام بمزيد من الاستكشافات عن الغاز فى منطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز والنفط ما يعنى تقليل تكاليف استيراد الغاز من الخارج ومزيد من الاستثمارات الأجنبية من قبل الشركات الكبرى العاملة فى مجال الطاقة.
3- ترغب تركيا فى ترسيم الحدود البحرية مع مصر عبر اللقاءات الثنائية، كما أنها لا تمانع من مشاركة قبرص واليونان فى هذه اللقاءات، لإزالة المخاوف من إمكانية أن تكون عقد هذه الاتفاقية على حسابهما فى ظل وجود خلافات بين تركيا وقبرص واليونان حول ترسيم الحدود بينهم.
بينما ترفض تركيا ترسيم حدودها البحرية مع مصر أو أى دولة محاذية لها فى شرق المتوسط بناءً على إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ لأن تركيا ليست طرفًا بها، والأهم أنها تقتطع جزء كبير من المناطق الاقتصادية التركية لصالح الجزر اليونانية حيث أن تلك الاتفاقية تعطى للجزر نفس الجرف القارى للدول، وهو ما تراه تركيا ظلمًا لها لأنها تملك أطول ساحل على شرق المتوسط ومع ذلك، وفقًا للإتفاقية، فإن حدودها البحرية قد تكون الأقل بين دول شرق المتوسط.
وإجمالًا لما سبق؛ يمكن القول أن تركيا تريد البناء على المصالح المشتركة مع تأجيل الخلافات لمرحلة قادمة، وأن يتم التقارب بصورة جزئية بحيث يتم التركيز على قضايا معينة (شرق المتوسط) وتأجيل القضايا الأخرى، وبصورة تدريجية أى الانتقال من المستوى الأدنى (الاقتصادى والاستخباراتى) إلى المستوى الأعلى (السياسى والدبلوماسى).
وفى المقابل، فإن مصر يبدو أنها لا تمانع فى التقارب مع تركيا فى منطقة شرق المتوسط وهو ما ظهر فى مراعاتها للحدود التركية كما ذكرنا أعلاه، ولكنها فى الوقت نفسها تبدو متحفظة، لعدة أسباب:
أن القاهرة تريد قبل الدخول فى علاقات ومصالح مشتركة، أن تقوم أنقرة بإيقاف التهديدات التى توجهها إلى مصر والمتمثللة فى إيقاف التصريحات المعادية من قبل أردوغان تجاه الرئيس السيسى، وإيقاف تحركات المعارضة المصرية المتواجدة داخل الأراضى التركية ضد النظام المصرى، بجانب سحب القوات التركية والمرتزقة السوريين من ليبيا.
أن مصر تصر على ضرورة أن يكون هناك علاقات دبلوماسية وسياسية وليس فقط اقتصادية أو استخباراتية، حيث تصر القاهرة على ضرورة قيام أنقرة بارسال سفيرها إلى القاهرة، وهو ما يعنى اعتراف تركيا رسميًا بالنظام المصرى.
3- أن مصر تتمسك بضرورة أن يتم ترسيم الحدود البحرية مع تركيا بناءً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ لأنها تمثل الأساس القانونى والشرعى الوحيد لترسيم الحدود البحرية. كما أن القاهرة لا تزال تراعى مخاوف حلفائها فى منطقة شرق المتوسط (اليونان وقبرص) من إمكانية أن تمثل الإتفاقية التركية مع مصر فى حال حدوثها ورقة ضغط تستخدمها أنقرة ضد هذه الدول لتنفيذ مطالبها عند ترسيم الحدود معهما. وتخشى القاهرة أيضًا، من أن يكون ذلك دافعًا لكلًا من قبرص واليونان فى الخروج من منتدى غاز شرق المتوسط أو العمل على اضعافه، وهو المنتدى الذى يمثل فرصة هائلة للقاهرة فى سبيل تحقيق حلمها للتحول إلى مركز إقليمى للغاز فى المنطقة.
وإجمالًا لما سبق؛ يمكن القول أن القاهرة تريد حل الخلافات مع أنقرة قبل إقامة علاقات معها، وأن يتم ذلك بصورة كلية بحيث يتم حل كل القضايا جملة واحدة (شرق المتوسط- ليبيا- الإخوان)، وبصورة شاملة وفورية أى تشمل جميع المستويات (الاقتصادية والاستخباراتية والسياسىة والدبلوماسىية).

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top