من بلاغة الإيجاز في النظم القرآني

كتبه: د. صلاح سرور
متابعة د: محمد علي عطا

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥۤ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِیرࣰا فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَاۤ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا فَدَمَّرۡنَـٰهُمۡ تَدۡمِیرࣰا﴾ [الفرقان ٣٥-٣٦].
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ يتوعد مشركي قومه على كفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله ويخوّفهم من حلول نقمته بهم، نظير الذي يحلّ بمن كان قبلهم من الأمم المكذّبة رسلها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ يا محمد، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ (قد) ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ بِتَدْمِيرِهِمْ.
﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وأُرِيدَ بِالكِتابِ الوَحْيُ الَّذِي يُكْتَبُ ويُحْفَظُ، وذَلِكَ مِن أوَّلِ ما ابْتُدِئَ بِوَحْيِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ الألْواحَ؛ لِأنَّ إيتاءَهُ الألْواحَ كانَ بَعْدَ زَمَنِ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ﴾، وفِي وصْفِ الوَحْيِ هنا بِالكِتابِ تَعْرِيضٌ بِجَهالَةِ المُشْرِكِينَ القائِلِينَ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، فَإنَّ الكُتُبَ الَّتِي أُوتِيَها الرُّسُلُ ما كانَتْ إلّا وحْيًا نَزَلَ مُنَجَّمًا فَجَمَعَهُ الرُّسُلُ وكَتَبَهُ أتْباعُهم.
والتَّعْرِيضُ هُنا إلى تَأْيِيدِ مُوسى بِهارُونَ وتَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]) فَإنَّ مُوسى لَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَأْيِيدَهُ لَمْ يُؤَيَّدْ بِمَلَكٍ ولَكِنَّهُ أُيِّدَ بِرَسُولٍ مِثْلِهِ
﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ يعني معينا وظهيرا، والوَزِيرُ: المُؤازِرُ وهو المُعاوِنُ المُظاهِرُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ وهو القُوَّةُ. وأصْلُ الأزْرِ: شَدُّ الظَّهْرِ بِإزارٍ عِنْدَ الإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ذِي تَعَبٍ. وكانَ هارُونُ رَسُولًا ثانِيًا ومُوسى هو الأصْلُ. والقَوْمُ هم قِبْطُ مِصْرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ مُفَرَّعٌ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ، فالإيتاءُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ.
(والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) وصْفٌ لِلْقَوْمِ، لِإفادَةِ قُرّاءِ القُرْآنِ أنَّ مُوسى وهارُونَ بَلَّغا الرِّسالَةَ إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بإعلامنا وأدلتنا، وأظْهَرَ اللَّهُ مِنهُما الآياتِ فَكَذَّبَ بِها قَوْمُ فِرْعَوْنَ فاسْتَحَقُّوا التَّدْمِيرَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَمْهِيدًا لِلتَّفْرِيعِ بِـ ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِنَ المَوْعِظَةِ والتَّسْلِيَةِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ عَنْهم بِالتَّدْمِيرِ. (فدمرناهم تدميرا).
وقَدْ حَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ عَجِيبٌ اخْتُصِرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَذُكِرَ مِنها حاشِيَتاها: أوَّلُها وآخِرُها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ بِالقِصَّةِ وهو اسْتِحْقاقُ الأُمَمِ التَّدْمِيرَ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم.
ففي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر من ذكره وهو: فذهبا فكذبوهما فدمرناهم حينئذ.
حيث اقتصر على ذكر طرفى القصة أوّلها وآخرها، وهما الإنذار والتدمير، ودلّ بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله، فأراد الله إلزام الحجة عليهم، فبعث إليهم رسولين فكذبوهما، فأهلكهم.
وفي هذه الآيات مثال جمع بين إيجاز القصة الطويلة والحسن.
والفاءُ فَصِيحَةٌ، والأصْلُ: فَقُلْنا: اذْهَبا إلى القَوْمِ فَذَهَبا إلَيْهِمْ ودَعْواهم إلى الإيمانِ، فَكَذَّبُوهُما، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَدَمَّرْناهُمْ، فاقْتُصِرَ عَلى حاشِيَتَيِ القِصَّةِ اكْتِفاءً بِما هو المَقْصُودُ،
والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، والهَلاكُ: دُمُورٌ.
وإتْباعُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما في تَنْكِيرِ المَصْدَرِ مِن تَعْظِيمِ التَّدْمِيرِ وهو الإغْراقُ في اليَمِّ.

راجع:
تفاسير الطبري، والزمخشري والألوسي وابن عاشور،

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top