زهو بعض المحققين بالنسخ الخطية التي فيها زيادات

كتبه: عبد العزيز الساوري

قال د. محمود علي مكي رحمة الله عليه ، في أوراقه التي جمعتها له : ” أذكر مسألة ، وهي أن بعض المحققين ( يفرحون ) ببعض النسخ المخطوطة التي فيها زيادات ، وأذكر لذلك مثلا : ” قلائد العقيان ” للفتح بن خاقان الأندلسي الذي قام منذ سنوات محققاً بإعادته في مجلدين كبيرين ، وألحق بهما فهارس، ورجع في تحقيقه إلى سبع مخطوطات، منها مخطوطة مشهد في إيران التي فرح بوجود زيادات فيها ونشر الكتاب على هذا الأساس .

وأنا في هذا السياق لا أتحدث عن التحقيق لأنه كان في غاية الرداءة ، لكنني أشير إلى مسألة الزيادات، فهذه الزيادات غابت عن هذا المحقق، مع أن كثيرا منها من كتاب آخر للمؤلف هو ” مطمح الأنفس، وبعضها مأخوذ من كتاب ” الذخيرة ” لابن بسام ، وذلك أن ابن خاقان وابن بسام كتبا في نفس الموضوع ، وهو المختارات من الشعر والنثر الأندلسي ، ولذلك اختلط بالذخيرة . وحينما نشرها إحسان عباس اختلطت بها نصوص من كتاب ” قلائد العقيان ” . ولكن إحسان عباس ، وهو محقق واع ، تنبه إلى ذلك وأثبت هذه النصوص ولكن ب ” بنط ” مختلف في الطباعة ، ونبه إلى أنها لا بد أن تكون من زيادات النساخ ، إلا أن هذا لم ينتبه أليه محقق ” قلائد العقيان ” ، فنشر الكتاب وهو مزهو جدا بهذه الزيادات ، وهي في الحقيقة ليست من صلب الكتاب ، بل إنها أفسدت الكتاب ، لأنها تنسب إليه ما ليس منه ” .

قلت : وضعت كلام أستاذنا الدكتور محمود علي مكي رحمة الله عليه ، بين مزدوجتين ، ويقصد أستاذنا بعبارة : ” الذي قام منذ سنوات محقق بإعادة تحقيقه في مجلدين كبيرين ” ، الأستاذ الدكتور حسين يوسف خريوش ، أستاذ الأدب الأندلسي بكلية الآداب بجامعة اليرموك ، وكانت تربطني بهذا الأخير علاقات علمية في الثمانينات و التسعينات ، وأذكر أنه نشر مقالة بعنوان : ” ترجمة خطية نادرة من كتاب قلائد العقيان لم تنشر من قبل : الوزير الكاتب أبو جعفر بن مسعدة الغرناطي ” في مجلة أبحاث اليرموك ، سلسلة الآداب واللغويات ، م 2 ع 2 سنة 1405 ه‍ / 1987 م ، لكنه لم يقف على ترجمته ، فكتبت إليه وزودته بمصادر ترجمته . وفي سنة 1987 أرسلت عمادة كلية آداب اليرموك إلى أستاذنا الدكتور محمود علي مكي رحمة الله عليه ، أبحاث ومؤلفات وتحقيقات الأستاذ الدكتور يوسف حسين خريوش ، وذلك من أجل الترقية ، قصد تحكيمها والبت فيها ، ومن بين هذه الأعمال تحقيقه لكتاب : ” قلائد العقيان ومحاسن الأعيان ” لأبي نصر الفتح بن محمد بن عبدالله القيسي الإشبيلي الشهير بابن خاقان المتوفى سنة 529 ه‍ ، ومن حين لآخر كنت أزور بيت أستاذنا الدكتور محمود علي مكي رحمة الله عليه ، في حي النزهة ، وأجد في مكتبه وسط فناء هذا البيت الأندلسي ، النسخة المرقونة من كتاب القلائد ، وهو يصححها ، وبجنبه نسخ القلائد والمطمح المطبوعة ، ونسخة كتاب ” الذخيرة في محاسن الجزيرة ” لابن بسام الشنتريني ، بتحقيق ا.د. إحسان عباس رحمة الله عليه، ثم قلت لأستاذنا: هذه النسخة الإيرانية تحتجن تراجم جديدة أخلت بها طبعات القلائد، وقد نشر منها ترجمة أبي جعفر بن مسعدة الغرناطي ، فأجابني: بأن كثيراً منها مأخوذ من مطمح ابن خاقان وذخيرة ابن بسام ، وأذكر أيضا أن د. محمود علي مكي رحمة الله عليه، كتب تقريراً صادما عن ملف الأستاذ المرشح للترقية، وبعدها نشر المحقق كتاب: ” قلائد العقيان ومحاسن الأعيان “، وصدر في مجلدين ضخمين ، عن دار المنار بعمان ، وأهداني محققه نسخة منه بالإهداء ، وكتب في الهامش الأول من ص 571 من ترجمة الوزير الكاتب أبي جعفر بن مسعدة الغرناطي ، ما نصه : ” وأذكر هنا أن الأخ المغربي الباحث عبدالعزيز الساوري كان قد نبهني إلى بعض مصادر ترجمة ابن مسعدة ، فله الشكر الصادق على هذا الفضل ” .
ونختم هذه النادرة المكية ، فنقول : فلنتأن ، ولا نفرح بالنسخ المخطوطة التي فيها زيادات .

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top