لبنان بين الجزرة الفرنسية والعصا الاميركية.

بقلم المستشار الدكتور نبيل بو غنطوس.
خبير سياسي واقتصادي لبناني.

مذل كثيرا كان موقف اركان السلطة اللبنانية بكل رموزها واجنحتها واحزابها، خلال زيارتي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت.

مرتين وفي اقل من شهر، احنوا الرؤوس، في حضرته، مفوضا ساميا صنع 2020، اطرقوا السمع، لم ينبثوا ببنت شفة في خارج اطار ما هو مسموح لهم به، لانهم جميعهم مدركون، ان لحظة الحقيقة دقت، وموعد الحساب اقترب.
من في السلطة مكشوفون امام العالم، وكل ارتكاباتهم معروفة ومسجلة ومدونة وموثقة، وهي تنتظر “امر اليوم”، يصدر عن جهة دولية ما، في لحظة غير مرتقبة، فتوضع جردة الحساب على الطاولة: ملفات الجميع جاهزة.

في قصر الصنوبر، عرض الرئيس ماكرون جزرة فرنسية على الطاولة (من دون رشة ملح وحامض على الطريقة المكسيكية)، كمدخل الى اصلاحات في الاقتصاد ومعالجات تتناول على سبيل المثال لا الحصر، منع التهرّب الضريبي أو إساءة استعمال النفوذ وإلاثراء غير المشروع ووقف الهدر وضبط الحدود والمعابر وملف الكهرباء وتبييض الاموال، الخ. وصولا الى وضع قانون انتخابي جديد تجرى على اساسه انتخابات جديدة اقصاه خلال عام من اليوم، وترك ماكرون قضايا سياسية كبرى عالقة، كالاستراتيجية الدفاعية الى ما بعد استتباب الوضع الاقتصادي، واجراء الانتخابات النيابية وانبثاق سلطة جديدة عنها. وفيما لو نجحت هذه الخطوات، تكون البلاد شهدت متنفسا اقتصاديا، وتكون فرنسا امنت موطئ قدم ثابتة في لبنان شرق المتوسط، في مواجهة محاولة التوسع التركي في المنطقة، وبتنسيق كامل مع الولايات المتحدة الاميركية والدول الخليجية، في انتظار نتائج المنازلة الاميركية الايرانية حيث ستتظهر اولى بوادرها العملية بعيد انتخابات الرئاسة الاميركية.

من كانوا داخل قصر الصنوبر، لم يفتهم ان خارج الاسوار، يجري التلويح بعصا اميركية غليظة(على طريقة الغرب الاميركي)، لكن مفاعيلها في السياسة قاسية وموجعة، والثابت انها لن تعوم ايا من حكام لبنان، على عكس العرض الفرنسي. فالطبقة السياسية الحاكمة متورطة بالفساد بحسب المسؤولين الاميركيين، وبمن فيهم حزب الله الذي يغطي الفساد والفاسدين”، لذا فان مطالبهم ابعد واقسى واشمل مما يطلبه الفرنسيون حاليا، ولا مجال لحلول وسط عندهم، او حتى على مراحل، في ظل التلويح بجملة عقوبات جديدة سيعلن عنها الاسبوع المقبل، وستطال كما يبدو، شخصيات لبنانية مقرّبة جدا من “مسؤولي الصف الأول” في مرحلة اولى، على ان تليها، دفعة ثانية اكبر واكثر قساوة وتستهدف الرؤوس الكبيرة في السلطة، وهذا ما يجعل كبار القوم في حالة ارتباك كبيرة، خصوصا وان مساعد وزير الخارجية الاميركية دايفيد شينكر الذي زار بيروت هذا الاسبوع، لم يلتق اي مسؤول رسمي، واقتصرت لقاءاته بمسؤولين من المجتمع المدني ومن اعضاء الحراك الثوري الناشط في البلد. ويظهر جليا من تصريحات شينكر، ان الهدف الاميركي الآن هو، الدفع باتجاه فرض رقابة على الحدود البرية مع سوريا والمرفأ والمطار، ولف لبنان بحزام يخلق حصارا مباشرا على حزب الله، والترويج لعدم فكرة قبول توزير مقربين من الحزب في الحكومة المقبلة. ولم يخف شينكر امتعاضه حتى، من عدم قدرة الثورجيين على خلق اي تغيير ذو اهمية على ارض الواقع، ودعاهم بطريقة غير مباشرة، لتكثيف تحركاتهم لملاقاة السياسات الاميركية، التي تحمل في الظاهر، على كل ما من شأنه زيادة تحلل الدولة في لبنان.

هكذا وبكل بساطة، يقف لبنان السلطة حائرا بين تناول جزرة طعمها مر في افواه من سيتناولها، اذ ان على هؤلاء القوم التخلي عن مكتسبات ومحميات وامارات صالوا وجالوا فيها لعقود، والا فانهم موعودون ان العصا المسلطة فوق الرؤوس، سيبدأ تجريبها الاسبوع المقبل، بضربات موضعية، على ان تطال في النهاية معظم قيادات الصف الاول الممانعة.
اذن، في المحصلة، مسؤولان دوليان كبيران، واحد يفاوض السلطة، واخر يحمس الثوار والمنتفضين، وكل منهما له اجندته الخاصة، وان كان هناك تقارب في توجهاتهما في امكنة معينة.

لكن، ما هو موقف اللبنانيين من هذه المشهدية المؤلمة، وهم في الصميم، بغير راضين للبنان وسلطته وشعبه، ان يغرر به بجزرة او ان يساق بعصا، فالفرصة ما زالت سانحة، لحل منبعه لبناني وهدفه مصلحة لبنان وعلى ايدي اللبنانيين وحدهم مهمة استنباطه واخراجه الى الضوء، فلا مجال بعد للسلطة ان تكابر وتعاند اكثر، وليس من مجال للثورجيين ان يرفعوا من سقف مطالبهم ويشمخوا اكثر. ففي المحصلة، اللبنانيون وحدهم من سيدفع الثمن، لا الجزرة هي هدفهم ولا العصا مقبول ان ترفع في وجه اي شريك في الوطن. فمن اليوم، وحتى عودة الرئيس الفرنسي ماكرون الثالثة الى بيروت، هناك متسع من الوقت، ثلاثة اشهر بكافية، لاعادة الامور الى نصابها، ان صفت النيات. اذ ان من هم في السلطة ولنقلها بصراحة كلية، لهم تمثيلهم الوازن لدى الشعب اللبناني من بين من يعتاشون في ظلالهم، ولا ضرورة للتعمق اكثر في كشف المستور المعلوم، كذلك من يثورون على الوضع القائم يشكلون نسبة لا بأس بها من اللبنانيين قد تتجاوز النصف واكثر، وهي آخذة بالتعاظم والتكاثر اكثر فاكثر.

فليلتقط الجميع الفرصة السانحة، وليستمعوا الى صوت العقل، وليسيروا درب الخلاص وليطبقوا خطة الطريق التي رسمها غبطة البطريرك الكاردينال ما بشارة بطرس الراعي في اتجاه اعلان حياد لبنان الايجابي والفاعل، صونا للوحدة والحرية والاستقلال، وتأمينا لمستقبل واعد لاجيال لبنان وشبابه الثائر، من خلال بناء اقتصاد متين، والا، فالبلاد على موعد مع انتدابات ووصايات ولربما احتلالات تحت الف حجة والف ستار.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top